«إن من عباد الله لَأناسا ما هم بأنبياءَ ولا شهداءَ يَغْبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يومَ القيامةِ بمكانتهم من الله تعالى. قالوا يا رسول الله تُخبرنا مَنْ هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يَتَعَاطَوْنَها، فوالله إن وجوهم لنور وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزِن الناس. وقرأ هذه الآية: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}1»
[محمد صلى الله عليه وسلم]
الأخوة الإسلامية …. نعمة عظمى
إن من أعظم النعم على الإطلاق نعمةَ الإسلام والإيمان، لأنها نعمة لا تعادلها نعمة أخرى، وهي نعمة تفضل الله تعالى بها على من شاء من عباده، ومنَّ بها على من اصطفى من البشر من غير استحقاق من أحد بل محض فضل منه عز وجل، وهذه النعمة سبب دخول الجنة، وفيها سعادة الدارين.
ومن جليل نعم الله وعِظم آلائه وسابغ فضله على المؤمنين نعمة الأخوة الإسلامية وتأليف القلوب على الحب في الله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءا فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] فالله عز وجل هو صاحب الفضل والمنِّة على المؤمنين إذ ألف بين قلوبهم بعد العداوة والبغضاء، وأصبحوا إخوانا متحابين بعد الفرقة والشتات، وأرشدهم إلى منابع الخير والرشاد، وأذهب عنهم نَعَرَاتِ الجاهلية الجهلاء، فعادوا إخوةً تجمعهم المحبةُ في الله في ظل تعاليم الإسلام ومبادئه. فها هم الأوس والخزرج – قبل الإسلام وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة – كانوا أعداءا يقاتل بعضهم بعضا لأَتْفَهِ الأسباب، وألعبة في أيدي اليهود يلعلبون بهم وقت ما شاؤا ويوقدون نار الحرب بينهم من وقت لآخر، ومن أشهر الحروب التي قامت بينهم حرب بعاث الذي دام زمنا طويلا، قضى على الأخضر واليابس، فلم ينقذهم من هذا الوضع المهين إلا الأخوة الإسلامية التي أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بعد أن هداهم الله عز وجل للإسلام واصطفاهم بهجرة المصطفى، فالأخوة الإسلامية هي التي أزالت عنهم العداوة والبغضاء والحروب، وجعلتهم إخوانا متحابين بل قدوة في الأخوة والمحبة حتى صاروا مضرب المثل للأجيال على مرِّ التاريخ.
الأخوة الإسلامية … وأثرها في المجتمع
المجتمعات قبل الإسلام لم تكن تعرف سوى مصالحهم الشخصية، ومنافعهم الدنيوية، وكانت العلاقة بين الناس والقبائل والدول على هذا الأساس. ولما جاء الإسلام بقيادة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين رسّخ مفاهيم جديدة بين الناس، وجعل الأخوة في الله أساس المجتمع، وبنى الدولة الإسلامية على أساس التكافل والتناصر، وبهذه الأخوة عرف الناس معنى التعاون والمواساة، وأحس المجتمع بلذة الأمن والأمان، وذاق معنى إعانة المظلوم، وإطعام الجائع، وإيواء الخائف. فالأخوة أسَّستْ مجتمعاً لا كأيِّ مجتمعٍ، مجتمعاً يعرف حق الضعيف والغريب والفقير والمسكين … ولا يفرق بين أبيض وأسود، ولا بين غني وفقير. هذا هو المجتمع الذي أسسه الإسلام على قاعدةِ (أَوْثَقُ عُرَى الإيمان الحبُ في الله والبغضُ في الله2) وأساسِ (مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَهَرِ والحُمَّى3).
من أروع قصص الأخوة في الله
إن الأخوة الإسلامية ليست شعارا يرفع، ولا خطبا يقال على المنابر وفي المناسبات، بل هي خُلُقٌ في النفس، وسلوكٌ في الحياةِ، وروحٌ في المجتمع، وإيثارٌ على النفسِ. ومن نفائس ما يذكر في هذا المقام هذه القصة الفريدة التي رواها الإمام البخاري في صحيحه في مؤاخاة المهاجرين والأنصار ما نَصُّهُ: (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه: أن يناصفه أهله وماله. فقال عبد الرحمن بن عوف بارك الله لك في أهلك ومالك. دُلَّني على السوق4) فما أعظمها من قصة! وما أروعها من أخوة صادقة!. هل يوجد في تاريخ البشرية من يعرض نصف ماله وإحدى زوجتيه (بعد أن يطلقها) على رجل غريب لا رباط بينهما ولا قرابة ولا منافع، سوى رباط الأخوة الإسلامية والحب في الله عز وجل. لا يوجد إلا في هذا الجيل الفريد المبارك من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن المواقف الفريدة أن الحارث بن هشام وعَيّاش بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل أَثْخَنَتْهُم الجراح في معركة اليرموك، فدعا الحارث بماء ليشربه فلما قُدِّمَ له نظر إليه عكرمة .. فقال: ادفعوا إليه فلما قربوه منه نظر إليه عَيّاش فقال: ادفعوا إليه، فلما دنوا من عياش وجدوه قد قضى نَحْبَهُ ولحق بربه، فلما عادوا إلى صاحبَيْه وجدوهما قد لحقا به 5) فبالله عليكم هل يوجد في تاريخ البشرية من يُؤْثر أخاه على نفسه بشربة ماء وهو يصارع الموت ويفارق الحياة، وقد يكون فيها حياته ونجاته. لا يوجد إلا في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين تربوا على {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [الحشر:9 ].
الأخوةالإسلامية حقوق وواجبات
وللأخوة حقوق وواجبات تُسْهِم بشكل مباشر في مسيرة الأمة نحو التقدم والنهوض، وتساعدها على التنشئة الصحيحة، لتُخْرِجَ إلى الوجود جيلاً جديراً بحمل الأمانة والمسؤلية، وأمةً قادرةً على الثبات والصمود أمام التحديات. وللأخوة الإسلامية حقوق كثيرة:
منها: أن المسلم لا يظلم أخاه المسلم ولا يتركه فريسة للأعداء، ولا يهتك عرضه، ويعينه في المصائب والنائبات، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يَظْلِمُه ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كُرْبَةً فرَّج الله عنه كُرْبَةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة6)، وما أعظم التشبيهَ النبويَّ الذي يصور المجتمع المسلم بالبناء المشيد المُتَراِّص (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا7) .
ومنها: أن من شيم الأخوة في الإسلام الزيارةَ الخالصة لوجه الله، التي لا يشوبها شيء من المنافع الدنيوية، ولا يعكر صفائها المصالح المتبادلة، وإليك هذ البيان النبوي الكريم كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا زار أخاه في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته – أي طريقه – ملَكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد ؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة ترُبُّها عليه – أي تقوم به وتسعى في صلاحها – قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال الملَك: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه 8).
ومنها: تشميت العاطس أي: إذا عطس المسلم وقال الحمد لله شمَّته أخوه بقوله: يرحمك الله. سبحان الله! حتى التشميت حق للمسلم على المسلم (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمكم الله، فإذا قال له يرحمكم الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم9) .
ومنها: أن الحياة فيها عقبات كثيرة، وأن شياطين الجن والإنس بمرصاد لكي يفسدوا ما بين المسلمين، ويوقعوا بينهم العداوة والبغضا، وأن النفس البشرية معرضة دائما لمكائد الشيطان ودسائه ولذلك نبهنا رسول الله صلى الله علليه وسلم بقوله: (لا يحل لرجل مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان: فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام10) حتى لا يجعل للشيطان على أخيه سبيلا.
ومنها: الدعاء له بظهر الغيب، وإيثاره على نفسه، وتقديم العون والنصح، وعيادته إذا مرض، وصون عرضه وماله إذا غاب، وتلبية دعوته إذا دعاه، وإبرار قسمه إذا أقسم، وندائه بأحب الأسماء إليه، وتشييع جنازته والدعاء له إذا مات، حتى بعد الموت يدعو له بالمغفرة والرحمة والرضوان {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا إنك رؤف رحيم} [الحشر: 10].
صناعة الأخوة بين المسلمين
إن المسلمين بحاجة ماسة إلى صناعة الأخوة وغرس المحبة فيما بينهم من جديد، سواء كانوا أفرادا أو شعوبا أو دولا، ولا محيد لهم عن ذلك ما داموا يتطلعون لمجدهم الأَثِيلِ وماضيهم المُشْرِقِ. ولتعميق العلاقات الأخوية وتقوية الروابط حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على التهادي فقال: (تهادوا تحابوا11) وعلى إفشاء السلام فقال: (والذي نفسي بيده لاتدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أَوَ لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم12) وعلى المسلم أن يغتنم كل الفرص والمناسبات لكسب النفوس وتقوية الروابط، من تهنئة بعُرْسٍ أو مباركةٍ بمولودٍ جديدٍ أو ترحيبٍ بقدومٍ أو إعانةٍ لمظلومٍ أو دعوةٍ إلى طعامٍ أو عيادةٍ لمريضٍ أو… أو…، وتأثيرُ هذه الأمور في النفوس كبيرٌ.
إلى الأخوة الإسلامية من جديد
من أسباب ضعف المسلمين وتَخَلُّفِهم عن ركب الحضارة بعدُهم عن تعاليم القرآن العظيم، وإعراضُهم عن هدي سيد المرسلين، ونسيانُهم الأخوةَ الإسلاميةَ التي كانت الركيزة الأساسية في بناء الأمة الإسلامية، فأصبحت أمة لا تُهاب، ودويلاتٍ لا تفكر إلا في دائرة حدودها، بعد أن كانت أمة واحدة، وقوة عُظمى، وخير أمة أخرجت للناس. وتلاشت روح الأخوة بين المسلمين فصاروا فريسة للذآب، ومَطْمَعًا للأعداء، وتعرضوا لحملات التغريب والتنصير والغزو الفكري والثقافي، وفرطوا في المقدسات، كل ذلك بسبب ضياع روح الأخوة الإسلامية.
فإنقاذ الأمة وبنائها من جديد تَكْمُنُ في العودة بالمسلمين إلى طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإرساءِ دعائم الأخوة الإسلامية في المجتمعات المسلمة، وبدون هذا لا تزيد الأمة إلا شقاءا ولا تَجَنِي المجتمعات إلا خرابا ودمارا (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوله13) ولا توجد على ظهر هذه الكوكبة الأرضية أمةٌ مرشحةٌ لحمل الأمانة سوى الأمة الإسلامية. فهل الأمةُ واعيةٌ لمسؤلياتها؟ ومُقَدِّرَةٌ لتَبَعَاتِها؟ وجادةٌ في إصلاح حالها؟ .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أبو حمزة
مصعب عارف گندوز

________________________________
1 – سنن أبي داود 9/404 رقم 3060
2 – مصنف ابن أبي شيبة رقم 31083 مسند الطيالسي رقم 783 .
3 – مختصر صحيح مسلم: ص 340 رقم: 1774 كتاب البر والصلة – باب: المؤمنون كرجل واحد في التراحم والتعاطف.
4 – صحيح البخاري: 2/ 1344 رقم: 3722 كتاب فضائل الصحابة – باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه .
5 – صور من حياة الصحابة – د. عبد الرحمن رأفت الباشا ص: 126 ط: دار الأدب الإسلامي سنة 2002م.
6 – متفق عليه: صحيح البخاري: 2/805 رقم: 2310 – كتاب المظالم – باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، مختصر صحيح مسلم: ص 546 رقم 1830 كتاب الظلم – باب: تحريم الظلم والأمر بالاستغفار والتوبة.
7 – متفق عليه – صحيح البخاري: 2/805 رقم: 2314 – كتاب المظالم – باب نصر المظلوم، مختصر صحيح مسلم: ص 534 رقم 1773 كتاب البر والصلة – باب المؤمن للمؤمن كالبنيان.
8 – مختصر صحيح مسلم: ص 533 رقم: 1769 كتاب البر والصلة – باب في المتحابين.
9 – صحيح البخاري: 4/2167 رقم: 5870 – كتاب الأدب – باب إذا عطس كيف يشمت.
10 – متفق عليه: صحيح البخاري: 4/2125 رقم: 5727 – كتاب الادب – باب الهجرة، مختصر صحيح مسلم: ص 539 رقم 1800 كتاب البر والصلة – باب: خيرهما الذي يبدأ بالسلام.
11 – الأدب المفرد للإمام البخاري: رقم: 594 ، شعب الإيمان للبيهقي: رقم: 8976
12 – سنن ابن ماجه – الإيمان 1/77 برقم 68
13 – الموطأ للإمام مالك. هذا الكلام من قول وهب كيسان 1/233 رقم 783

مصعب عارف گندوز / Musab Arif Gündüz

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /var/www/vhosts/davetmektebi.com/httpdocs/wp-content/plugins/ultimate-author-box/inc/frontend/uap-shortcode.php on line 119
style=”display:none;”>